محمد محمد أبو موسى
158
البلاغة القرآنية في تفسير الزمخشري و أثرها في الدراسات البلاغية
فأراد أن يقول : والعيش خير في ظلال النوك من العيش بكد في ظلال العقل ، فترك شيئا « 104 » . وقد نجد في محيط الدراسات القرآنية إشارات إلى بلاغة الحذف وأسباب تأثيره - فالباقلانى يذكر أن الايجاز قسم من أقسام عشرة ذكرها بعضهم للبلاغة ، ثم يقسم الايجاز قسمين : الحذف والقصر . ثم يقول : فالحذف اسقاط للتخفيف كقوله تعالى : « وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ » وقوله : « طاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ » « 105 » . وحذف الجواب كقوله : « وَلَوْ أَنَّ قُرْآناً سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتى » « 106 » كأنه قيل : لكان هذا القرآن ، والحذف أبلغ من الذكر لأن النفس تذهب كل مذهب في القصد من الجواب « 107 » . ويقول الشريف المرتضى في أماليه : وفي القرآن من الحذوف العجيبة والاختصارات الفصيحة ما لا يوجد في شئ من الكلام ، من ذلك قوله تعالى في قصة يوسف عليه السلام والناجي من صاحبه في السجن ورؤيا الملك البقر السمان والعجاف : « أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ . يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنا » « 108 » ولو بسط الكلام فأورد محذوفه لقال : أنا أنبئكم بتأويله فأرسلون ففعلوا فأتى يوسف فقال يا يوسف أيها الصديق ، ومثله قوله في سورة الأنعام : « قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ ، وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ » « 109 » أي : وقيل لي ولا تكونن من المشركين ، وكذلك قوله تعالى في قصة سليمان عليه الصلاة والسلام : « وَلِسُلَيْمانَ الرِّيحَ غُدُوُّها شَهْرٌ وَرَواحُها شَهْرٌ » إلى قوله تعالى : « اعْمَلُوا آلَ داوُدَ شُكْراً » « 110 » أي وقيل لهم : اعملوا آل داود شكرا « 111 » . وكان ابن قتيبة يسير على طريقة النحاة في بيان المحذوف
--> ( 104 ) نقد الشعر ص 245 ( 105 ) محمد : 21 ( 106 ) الرعد : 31 ( 107 ) اعجاز القرآن ص 161 ( 108 ) يوسف : 45 ، 46 ( 109 ) الأنعام : 14 ( 110 ) سبأ : 12 - 13 ( 111 ) أمالي المرتضى ج 3 ص 157